ابن حجر العسقلاني

213

فتح الباري

القول عند الخلاء واستمر في ذكر ما يتعلق بالاستنجاء ثم رجع فذكر الوضوء مرة مرة وقد خفى وجه المناسبة على الكرماني فاستروح قائلا ما وجه الترتيب بين هذه الأبواب مع أن التسمية انما هي قبل غسل الوجه لا بعده ثم توسيط أبواب الخلاء بين أبواب الوضوء وأجاب بقوله قلت البخاري لا يراعى حسن الترتيب وجملة قصده انما هو في نقل الحديث وما يتعلق بصحيحه لا غير انتهى وقد أبطل هذا الجواب في كتاب التفسير فقال لما ناقش البخاري في أشياء ذكرها من تفسير بعض الألفاظ بما معناه لو ترك البخاري هذا لكان أولى لأنه ليس من موضوع كتابه وكذلك قال في مواضع أخر إذا لم يظهر له توجيه ما يقوله البخاري مع أن البخاري في جميع ما يورده من تفسير الغريب انما ينقله عن أهل ذلك الفن كأبى عبيدة والنضر بن شميل والفراء وغيرهم وأما المباحث الفقهية فغالبها مستمدة له من الشافعي وأبى عبيد وأمثالهما وأما المسائل الكلامية فأكثرها من الكرابيسي وابن كلاب ونحوهما والعجب من دعوى الكرماني انه لا يقصد تحسين الترتيب بين الأبواب مع أنه لا يعرف لاحد من المصنفين على الأبواب من اعتنى بذلك غيره حتى قال جمع من الأئمة فقه البخاري في تراجمه وقد أبديت في هذا الشرح من محاسنه وتدقيقه في ذلك ما لا خفاء به وقد أمعنت النظر في هذا الموضوع فوجدته في بادئ الرأي يظن الناظر فيه أنه لم يعتن بترتيبه كما قال الكرماني لكنه اعتنى بترتيب كتاب الصلاة اعتناء تاما كما سأذكره هناك وقد يتلمح انه ذكر أولا فرض الوضوء كما ذكرت وأنه شرط لصحة الصلاة ثم فضله وأنه لا يجب الا مع التيقن وأن الزيادة فيه على ايصال الماء إلى العضو ليس بشرط وأن ما زاد على ذلك من الاسباغ فضل ومن ذلك الاكتفاء في غسل بعض الأعضاء بغرفة واحدة وأن التسمية مع أوله مشروعة كما يشرع الذكر عند دخول الخلاء فاستطرد من هنا لآداب الاستنجاء وشرائطه ثم رجع لبيان أن واجب الوضوء المرة الواحدة وأن الثنتين والثلاث سنة ثم ذكر سنة الاستنثار إشارة إلى الابتداء بتنظيف البواطن قبل الظواهر وورد الامر بالاستجمار وترا في حديث الاستنثار فترجم به لأنه من جملة التنظيف ثم رجع إلى حكم التخفيف فترجم بغسل القدمين لا بمسح الخفين إشارة إلى أن التخفيف لا يكفي فيه المسح دون مسمى الغسل ثم رجع إلى المضمضة لأنها أخت الاستنشاق ثم استدرك بغسل العقبين لئلا يظن أنهما لا يدخلان في مسمى القدم وذكر غسل الرجلين في النعلين ردا على من قصر في سياق الحديث المذكور فاقتصر على النعلين على ما سأبينه ثم ذكر فضل الابتداء باليمين ومتى يجب طلب الماء للوضوء ثم ذكر حكم الماء الذي يستعمل وما يوجب الوضوء ثم ذكر الاستعانة في الوضوء ثم ما يمتنع على من كان على غير وضوء واستمر على ذلك إذا ذكر شيئا من أعضاء الوضوء استطرد منه إلى ما له به تعلق لمن يمعن التأمل إلى أن أكمل كتاب الوضوء على ذلك وسلك في ترتيب الصلاة أسهل من هذا المسلك فأورد أبوابها ظاهرة التناسب في الترتيب فكأنه تفنن في ذلك والله أعلم ( قوله الخبث ) بضم المعجمة والموحدة كذا في الرواية وقال الخطابي انه لا يجوز غيره وتعقب بأنه يجوز اسكان الموحدة كما في نظائره مما جاء على هذا الوجه ككتب وكتب قال النووي وقد صرح جماعة من أهل المعرفة بان الباء هنا ساكنة منهم أبو عبيدة الا ان يقال إن ترك التخفيف أولى لئلا يشتبه بالمصدر والخبث جمع خبيث والخبائث جمع خبيثة يريد ذكر ان الشياطين وإناثهم قاله الخطابي وابن حبان وغيرهما ووقع في نسخة